image
في مصادفة فلكية وتراثية نادرة تلتقي فيها الروحانيات بالموروث الشعبي لأهل الجزيرة العربية، يترقب المهتمون بالطقس والفلك في دولة الإمارات حدثاً لافتاً هذا العام؛ حيث يتوافق أول أيام عيد الأضحى المبارك الموافق يوم الأربعاء 27 مايو 2026، مع بداية طلوع نجم "الثريا"، وهو النجم الذي ارتبط اسمه منذ القدم باشتداد الحرارة ودخول فصل الصيف الفعلي أو ما يُعرف محلياً بـ "القيظ".
وحملت هذه الفترة قديماً دلالات واسعة اعتمد عليها الأجداد في التنبؤ بالتغيرات الجوية ومواسم الزراعة والبحر قبل ظهور أجهزة الرصد الحديثة، لتظل هذه المعارف حية تتوارثها الأجيال في مجالس الدولة.

قبلة دقيقة وتعامد الشمس على الكعبة

أوضح المواطن والباحث في الموروث الشعبي، (أبو محمد)، أن ما يميز أول أيام العيد هذا العام ليس فقط طلوع "الثريا"، بل تزامنه مع ظاهرة فلكية كونية شهيرة وهي تعامد الشمس على الكعبة المشرفة في مكة المكرمة وقت الزوال (الظهر)؛ حيث ينعدم ظل الأجسام تماماً هناك.
ويمكن لسكان الإمارات الاستفادة من هذه الظاهرة وقت أذان الظهر بدقة متناهية لتحديد اتجاه القبلة مباشرة؛ عن طريق تثبيت أي جسم قائم ومراقبة امتداد ظله، وهي الطريقة الاستباقية الذكية التي استخدمها أهل البر والبحر قديماً قبل اختراع البوصلات.

بشارة الصيف.. تباشير رطب "النغال"

مع بزوغ نجم "الثريا" في ساعات الفجر الأولى كعنقود مرصع باللآلئ، يستبشر مزارعو الإمارات ببدء نضوج وبواكير الرطب الخريفي المبكر، وعلى رأسه رطب "النغال"، الذي يُطلق عليه محلياً "بشارة القيظ".
وتستعد الأسواق الشعبية والمزارع في كافة إمارات الدولة لعرض اللقاطات الأولى من هذا الرطب، الذي يحمل مكانة وجدانية خاصة لدى الإماراتيين ويرتبط بذكريات الطفولة والمجالس، ويشير خبراء الأرصاد إلى أن دخول "الثريا" هذا العام يتزامن مع مؤشرات لصيف حار نسبياً، بدأت ملامحه تظهر مع الارتفاع المبكر لدرجات الحرارة ونسب الرطوبة خلال شهر مايو الجاري.

دليل النواخذة وهواة الفلك

لم تكن "الثريا" مجرد تقويم للمزارعين، بل كانت البوصلة الحقيقية في التراث البحري الإماراتي؛ إذ استدل بها "النواخذة" (قادة السفن) لمعرفة الاتجاهات في رحلات الغوص الطويلة، وتوقيت تغير الرياح الموسمية وصيد الأسماك.
واليوم، تشهد هذه الفترة انتعاشاً كبيراً لهواة التصوير الفلكي، الذين يتوافدون إلى عمق الصحاري الإماراتية بعيداً عن التلوث الضوئي للمدن، لتوثيق هذا العنقود النجمي البديع وهو يزين سماء الفجر.
لأن أصالة الهوية الإماراتية تكمن في قدرة الأجداد على قراءة السماء والتناغم مع الطبيعة، يسعدنا في راديو الرابعة أن نشارككم هذه اللوحة الفلكية التي تجمع بهجة عيد الأضحى بتباشير رطب 'النغال' وعودة القيظ. فبينما نستعد لاستقبال حرارة الصيف وموسم الإجازات، نبقى نحن أنيسكم على الأثير وفي منصاتنا الرقمية، ننقل لكم عبق التراث ونبض الحاضر. عساكم من عواده، وصيفكم مليء بالنشاط والبركة.